زكريا القزويني

65

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ساعة ، لا تزيد ولا تنقص ، وكلما نقص من النهار زاد في الليل ، وكلما نقص من الليل زاد في النهار ، كما قال اللّه تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [ الحديد : 6 ] « 1 » . وأطول ما يكون النهار سابع عشر حزيران عند حلول الشمس آخر الجوزاء ؛ فيكون النهار خمس عشرة ساعة ، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون ، ثم يأخذ النهار في النقصان والليل في الزيادة إلى ثامن عشر أيلول ، وهو عند حلول الشمس آخر السنبلة ، فيستوي الليل والنهار ، ويصير كل واحد منهما اثنتي عشرة ساعة . ثم ينقص النهار ويزيد الليل إلى سبع عشرة من كانون الأول ، فيصير الليل خمس عشرة ساعة ، وهو أطول ما يكون ، والنهار تسع ساعات ، وذلك أقصر ما يكون ، ثم يأخذ الليل في النقصان والنهار في الزيادة إلى سادس عشر آذار عند حلول الشمس إلى آخر الحوت ، فيستوي الليل والنهار ، ويصير كل واحد اثنتي عشرة ساعة ، ثم يستأنف الدور . وقد شبهوا أوقات اليوم والليلة بأرباع السنة ، فقالوا : إن الغدو بمنزلة الربيع ، وانتصاف النهار بمنزلة الصيف ، والمساء بمنزلة الخريف ، وانتصاف الليل بمنزلة الشتاء ، لكن اختلافها لما كان اختلافا يسيرا لا تتأثر منه الأبدان تأثرها عن السنة وربما تأثرت منه الأبدان الضعيفة . ومن لطف اللّه بعباده جعل الليل والنهار ؛ لأن الإنسان مضطر إلى الحركات في أعماله لمعاشه ، ولا تنفك قواه عن كلال ، فعند ذلك يغلب عليه النوم ولا بد له من ذلك لزوال الكلال ، كما قال اللّه تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ القصص : 73 ] فعين وقتا للنوم ينام فيه كلهم ، ووقتا للمعاش يعمل فيه كلهم ، ولولا ذلك لأفضى إلى عسر قضاء حوائج الناس ؛ لأن أحدهم إذا طلب غيره لشغل وجده نائما . 30 فصل : في فضائل الأيام وخواصها ( يوم الجمعة ) عيد الملة الحنيفية « 2 » وسيد الأيام ، روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه

--> ( 1 ) قوله : يُولِجُ أي : يدخل . ( 2 ) الملة الحنيفية : أي ملة الإسلام وسموا بذلك ؛ لأنهم مالوا عن الباطل إلى الحق والتوحيد ، قال تعالى : حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ، قال أيضا : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ .